سراج-ينير-طريق-التعليم

جريدة عمان 

محمود الرحبي

«العلم نور».. واحدة من عشرات المأثورات والمقولات التي ترسّخت في عقولنا وفي ذاكرتنا الجماعية. والسبب في ذلك أنها تُعلي شأنَ العلم وأهله وطالبيه. فعلى غرار أجيال من المتعلّمين في بلادنا، نشأنا في بيئة تولي العلمَ أهمية خاصة، ويحظى فيها أصحاب «نور» العلم بمكانة اعتبارية.

وكم أفرحني أخيرًا الشروع في تعزيز وتفعيل المؤسسة الوقفية «سراج»، المأمول منها تحقيق عدد من الأهداف التعليميّة، اهمها إيجاد مصادر متنوعة ومستدامة لدعم التعليم في كل مستوياته. وأيضًا لتجديد الدور التنموي للوقف في رعاية التعليم ودعم برامجه العلمية. بالإضافة إلى مساندة المحتاجين من طلبة العلم، وتقديم الدعم اللازم لهم خاصة من فئة ذوي الهمم. كما ستسهم في تسخير البرامج المناسبة واستقطاب أموال التبرّعات والهِبات والوصايا للدفع بعجلة التعليم ووضع ضوابط هذا المشروع الخيري والحيوي، وإيجاد أفضل الطرق لتشغيل هذه الأموال الوقفية وتنميتها واستثمارها.

ومثل هذه المبادرات لإنشاء مؤسسات وقفية تعتبر ساميةً وإنسانيةً في أهدافها، تسعى إلى توظيف أموالها وعائدات استثماراتها لدعم وتمويل المشاريع ذات الصلة بقطاعاتها، وسراج في هذا الجانب ستسهم بلا شك في تنمية قطاع التعليم في السلطنة، مكونة بذلك سندًا ولو يسيرًا للخدمات التعليمية التي تقدمها الحكومة في مجال التعليم.

لا شكّ في أن هذه الدعامة، التي أرجو أن يُكتب لها النجاح وأن تكون لبنة لصرح مستقبليّ لإدارة أموال عامة وخاصة، ستشكل رافدا مستقلا يثري مجالات الحسّ الإحساني ويُعزّز التكافل الاجتماعي في المجتمع المحلي. وإن استثمارها سيساهم في سبيل سدّ كل ثغرة او نقص او عقبة مستقبلية قد تعترض مسار التنمية التعليمية في بلادنا.

وإذا كان من نافل القول إن هذه المبادرة ليست جديدةً في بلادنا، حيث إن لدينا تراثًا واسعًا في هذا المجال، حيث كانت الأعمال الإحسانية والمبادرات التضامنية دومًا أسّ التجمعات البشرية في مختلف ربوع البلاد، وفق أعراف مجمعية توارثها العمانيون أبا عن جد، فإن ما يجب التشديد عليه هو أنها أُطلقت وفق طرق حديثة لتلبّي احتياجات ضرورية في مجتمع المعرفة، بما ينسجم مع تطلعاتنا جميعا، شعبا وقيادة، لما نريد أن يكون عليه حاضر عمان ومستقبلها.

أقول إن لهذه المبادرة المحمودة التي من فوائدها الجلية والآنية ان تحمي المجتمع من الوقوع في المضاربات واستغلال حاجة الناس إلى تعليم أبنائهم، لها أسس ومرجعيات في مجتمعنا العماني، الذي عُرف عنه منذ القِدَم تخصيص أوقاف عديدة، فرديا وجماعيا، لدعم التعليم، فلم يكن التعليم مقتصرًا على فئة محددة في المجتمع. والأجمل أن تاريخ هذه المبادرات الوقفية من أجل التعليم لم تقتصر على الرجال فقط، بل إن النساء العمانيات بصمن بدورهنّ مجال توقيف أملاك وأموال في سبيل العلم ومن أجل إشاعته وجعل «نوره» يمتدّ إلى بقاع إضافية في رقعة وطننا الحبيب. ويذكر لنا التاريخ مبادرة تلك المرأة العمانية المذكورة في كتاب « تحفة الأعيان» التي أوقفت نخيلها لفائدة طلبة العلم، إذ تبرّعت لهم بما تملك من النخيل، في التفاتة إنسانية تجسّد قيم الإيثار والتضامن والتكافل التي طبعت المجتمع العماني.

ولا أريد أن تفوتني الإشارة، وأنا بصدد «سراج»، إلى ما يمكن أن تجلبه هذه المبادرة من التحفيز وتذكير المحسنين من أفراد ومؤسسات مالية للحاجة التعليمية. وقد قرأت منذ فترة عن العلامة العماني ابن بركة السليمي، مؤلف كتاب «الجامع»، الذي كان يملك ثروةً كبيرةً، بأنه أسس في نزوى مدرسة علمية امتدّ «سراجها» ليُنير مناطقَ خارج عمان. وأذكُر في هذا السياق أن سبعين عالمًا مغربيًا تخرّجوا من هذه المنارة العلمية الرائدة. وإذا كنا قد أوردنا هذا العدد الكبير من العلماء المغاربة الذين نهلوا المدارك والمعارف من هذه المدرسة، فلكم أن تخيّلوا عدد غيرهم ممن تعلّموا بين جدرانها من أبناء الشعوب العربية المجاورة، فما بالك بعدد أبناء عمان.

ودعوني أعود إلى المأثورة التي افتتحت بها ورقتي هذه، لأقول إذا كان التعليم في حد ذاته «نورا»، فكيف إذا أضيف اليه نور الـ«سراج»؟.. ثم هل سنجد في بلادنا من الأغنياء من يتبرّعون لهذا الوقف سيرًا على نهج العظيم ابن بركة؟.. أرجو ذلك، بل أتوقّعه، فما ذلك عليهم بغريب ولا عزيز.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *