الطالب.. هل وصل؟

جريدة الرؤية 

سعيدة البرعمية

قرار وزارة التربية والتعليم، مُؤخرًا، باستبدال مفردة بأخرى في الاستخدام “الطلبة” بدلاً من “الطلاب”، يؤكد أننا ما زلنا نحوم حول القشر ونتجاهل اللّب! فهل أحدثت المفردة تغييرًا في سير العملية التعليمية، أم أنها وصية لأبي الأسود الدؤلي، تم العثور عليها مؤخرًا، ليُعمل بها في هذا الزمن المتراجع؟! لا أعلم.
لو أنّ القرار نصَّ على استبدال الحقيبة المدرسية بجهاز إلكتروني محمول، يحوي جميع المساقات؛ لكان مُتقبلا ومرحبّا به، ولحققنا خطوة إيجابية نحو المعاصرة والتطور، لكنها مفردة أقرب أن نقول عنها، مرادفة لنفس الكلمة أثارت الدهشة.
“ما عاد بمقدوري البقاء عديم الإحساس بنداءات الغوث التي يبعث بها أطفالي عشية الاختبارات، أو تسليم الفروض”.. هكذا كتب الفيلسوف الفرنسي تزفتيان تودروف في كتابه “الأدب في خطر”. شعرت وأنا أقرأ هذه العبارة أنه يتحدّث عن حالنا وحال طلابنا وسلبيات التعليم لدينا.
مضى الفصل الدراسي الأول بكل تفاصيله وتحدياته، لم يكن كبقية الفصول؛ بل كان استثنائياً بكل المقاييس، بدءا بالكتب الدراسية التي لم تتوافر للطلاب بشكل كاف مرورا بالجمود الذهني والتحصيلي الذي أصاب الطلاب لما يقارب عامين متواليين مصاحبين لـ”كوفيد 19″، وصولا إلى أسبوعي الاختبارات النهائية، وما أدراك كيف مرّت أيامهما على الطلاّب وأولياء الأمور والمعلمين.
لقد أصبحت العملية التعليمية عِبئاً ثقيلا على الطالب وولي الأمر وكذلك المعلم، فما إن يرجع الطالب إلى بيته بعد ساعات طويلة قضاها في المدرسة، إلا ويبدأ بالعمل مجددا على كتابة وظائفه التي أثقلت عاتقه من حيث كثافتها وأحياناً غرابة أفكارها، والبعض علاوة على ذلك، ملزم من قبل الأهل بحضور الدروس الخصوصية نظرا لعدم استيعابه المنهج أو لحرص من ولي الأمر على زيادة تحصيله، فنجد ولي الأمر يلجأ باستمرار للمعلمين الخصوصيين، الذين بدورهم يستغلون هذه النقطة في رفع قيمة الدروس وحل الواجبات المدرسية للطالب، وتصل قيمة الدرس الخصوصي إلى خمسين ريالاً للمادة الواحدة نهاية كلّ شهر؛ فكم سيدفع من يحتاج ابنه إلى ثلاث مواد أو أربع في الفصل الواحد؟
كما يلجأ بعض أولياء الأمور إلى المكتبات أو لبعض المعلمين الخصوصيين، لشراء سلاسل الإجادة التي تصل قيمتها لأكثر من ثلاثة ريالات للمادة الواحدة، لم يعد التعليم ميسرًا يخدم الطالب؛ بل يخدم من يستبيح المتاجرة به.
إذا كان ولي الأمر أو المعلم الخصوصي هما من يقومان بحل الواجبات المدرسية؛ فما فائدتها للطالب إذن؟!  وهل حصل الطالب بعد نهاية الفصل على النتيجة المرجوة التي خططت لها وزارة التربية والتعليم، وهل أثبتت اختبارات قياس المستوى التي تقدم للطالب بداية كل فصل أنه قد أحاط بأساسيات المادة علماً وحظي بقدر لا يُستهان به من أهداف المادة؟
لو تتبَّعنا كيف وُجدت فكرة إعطاء الطالب مهام منزلية، فسنجد أنها فكرة المعلم الإيطالي روبيرتو نيفيليس عام 1905م، وكان الهدف منها عقابه للطلابه الذين لا يهتمون بالمادة، انتقلت الفكرة لاحقًا إلى مدينة البندقية ومن ثم انتشرت بشكل واسع كما نعلم جميعاً.
ما الذي حققته الواجبات والمهام المدرسية للطالب؟
من واقع وتجارب “حميدان في الميدان”، يثبُت أنها لم تحقق ما يُمكن ذكره؛ فالواقع يحكي حكاية ثانوية أخرى تختلف عن تلك التي أُثبتت في سجلات النظام. للأسف أغلب الطلاب عقولهم فارغة لم يثمر فيهم ذهابهم للمدرسة صباحاً ولا الدروس الخصوصية عصرًا وما نجاحهم سوى حصيلة جهد غيره مسجل على النظام دون عقله، درجات حصيلة الوجبات التي اشتروا حلها من المعلمين أو استعانوا بالأهل والأصدقاء لحلها، وأخرى من وسائل الغش الاحترافية والتي أبدعوا في ابتكار طرقها؛ بل إن الطالب يتعرض دائمًا بعد مجيئه من الاختبار للسؤال من قبل الأهل” كيف الاختبار؟ ما غشيت؟ ما ساعدوكم؟
كيف للطالب أن يترك الغش ويراه أمرًا خاطئًا إن كان الأهل بهذا المستوى من التفكير! وكيف للطالب أن يثق بنفسه وبقدراته، إذا كان المعلم الذي هو رسول المعرفة، يخترق قدسية كواليس المهنة ويصور إجابات الطلاب في مواقع التواصل ويتم السخرية عليها من قبل النَّاس، وتتداول بشكل يستخف بالطالب. نشر مثل هذا النوع من الإجابات فيه استخفاف بقدرات الطالب من جهة، ومن جهة أخرى يُشجع مثل هذا التصرف كونه صادر من فئة تمر بمرحلة عُمرية معينة تحبّ لفت النظر.
لو وضعت كلّ مشكلات الطلاب على الطاولة، وحاولنا إنقاذ ما يمكن إنقاذه بدءا من تقويم المناهج واستحداث خطط منتجة وهادفة تهدف للكيف دون الكم، ترقى بالطالب وتحببه في البحث عن المعرفة، ويتم إعفاؤه من كتابة المهام؛ ليتسنى له استذكار ما أخذ في المدرسة ويثبته في ذهنه لكان أفضل.
أكثرتُ في مقالي من استخدام كلمة “الطلاب” لأنني لم أعتد على كلمة “الطلبة” وأحتاج مزيدا من الوقت كي أعوّد لساني وقلمي عليها، ربما لو كانت “الباحثين لوجدتها خفيفة على لساني واستهواها فكري؛ فكلمة “الباحث” تحث النفس على البحث والاستكشاف والحركة، بعكس ما ترمي إليه كلمة “الطالب” التي تعني الطلب والاستجداء، ماذا لو غرسنا فيهم قيمة وأهمية البحث منذ صغرهم، هناك فرق بين أن تطلب وتستجدي الشيء وبين أن تذهب إليه برغبة وتبحث عنه وتحصد نتائج بحثك بنفسك.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *