اليوم الدولي للتعليم

جريدة الرؤية 

د. هناء محمد أمين

تحتفل  منظمة اليونسكو  للمرة الرابعة باليوم الدولي الرابع للتعليم  في 24 يناير حيث يقف العالم عند نقطة تحول تشهد توسع عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، وتغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي واستخدام الموارد الذي تجاوز حدود الكوكب  ونتج عن ذلك كوكب متضرر يهدد وجودنا.  في ذات الوقت العالم  شهد الأثر المدمر لجائحة كورونا في تفاقم أزمة التعليم الموجودة مسبقا، وأدى الاعتماد على التكنولوجيا الرقمية في التعلم إلى تعميق عدم المساواة بين المتعلمين وبالتالي بدون إجراءات علاجية فإن ذلك يؤدي إلى التراجع نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030.

في نوفمبر 2021، أصدرت اليونسكو تقريرًا عالميًا جديدًا حول مستقبل التعليم بعنوان “إعادة تصور مستقبلنا معًا.. عقد اجتماعي جديد للتعليم” يتناول مستقبل التربية والتعليم بحلول عام 2050. استغرق إعداد التقرير عامين، وقد أعدته لجنة دولية  تضم قادة الفكر من الأوساط السياسية والأكاديمية والفنية والعلمية والتجارية والتربوية بهدف تحفيز نقاش عالمي وحركة لصياغة عقد اجتماعي جديد للتعليم، وشارك أكثر من مليون شخص في عملية التشاور العالمية . يدعو التقرير إلى تحول كبير في التعليم لإصلاح مظالم الماضي وتعزيز القدرة على العمل معًا من أجل مستقبل أكثر استدامة وعادلة.

ويركز التقرير على المربكات الرئيسية والتحولات الناشئة، مع الأخذ في الاعتبار أربعة مجالات متداخلة: التغيير البيئي، والتسارع التكنولوجي، والحوكمة والتجزئة الاجتماعية، وعوالم العمل الجديدة. يسأل كيف سيتأثر التعليم بهذه الاضطرابات والتحولات، وكيف يمكن التعامل معها بشكل أفضل.

ويدعو التقرير إلى عقد اجتماعي جديد- اتفاق ضمني بين أعضاء المجتمع على التعاون من أجل المنفعة المشتركة- مبني على المبادئ العامة التي تقوم عليها حقوق الإنسان (الإدماج والإنصاف والتعاون والتضامن) وأن يخضع للمبدأين الأساسيين: ضمان الحق في التعليم الجيد طوال الحياة، وتعزيز التعليم كمسعى عام ومصلحة مشتركة، حيث إن التعليم يبني أهدافًا مشتركة ويمكّن الأفراد والمجتمعات من الازدهار معًا. وأشار التقرير بأن لا يضمن العقد الاجتماعي الجديد للتعليم التمويل العام للتعليم فحسب، بل يجب أن يتضمن أيضًا التزامًا على مستوى المجتمع بإشراك الجميع في المناقشات العامة حول التعليم، حيث إن هذا التركيز على المشاركة هو ما يعزز التعليم كصالح عام.

يناقش التقرير تجديد التعليم من خلال 5 أبعاد: طرائق التدريس، والمناهج الدراسية، والمعلمين، والمدرسة، وتوسيع الفرص التعليمية التي تحدث طوال الحياة. وأوصى التقرير أن تكون طرائق التدريس قائمة على مبادى التعاون والتضامن، ويجب أن تعزز القدرات الفكرية والاجتماعية والأخلاقية للطلاب للعمل معا، والابتعاد عن التحيز والتعصب والانقسام. كما إن طرق التقويم يجب أن تعكس هذه الأهداف التربوية وتعزز التعلم لجميع الطلاب. ثم أشار التقرير إلى المناهج الدراسية، وأكد ضرورة أن تركز المناهج الدراسية على التعلم الإيكولوجي والثقافي والمتعدد التخصصات الذي يدعم الطلاب للوصول إلى المعرفة وإنتاجها مع تطوير قدرتهم على نقدها وتطبيقها. والتأكيد على مواجهة انتشار المعلومات الخاطئة من خلال المعرفة العلمية والرقمية والإنسانية التي تنمي القدرة على التمييز بين المعلومات الكاذبة  والمعلومات الصحيحة  في المحتوى التعليمي والأساليب والسياسات. وتطرق التقرير إلى دور المعلمين وأهمية الاعتراف بهم كمنتجين للمعرفة وشخصيات رئيسية في التحول التربوي والاجتماعي. كما يجب أن يميز التعاون والعمل الجماعي عمل المعلمين وأن يصبح التفكير والبحث وخلق المعرفة والممارسات التربوية الجديدة جزءًا لا يتجزأ من التدريس.

هذا يعني أنه يجب دعم استقلاليتهم وحريتهم، كما يجب عليهم المشاركة الكاملة في النقاش العام والحوار حول مستقبل التعليم. وفيما  يخص المدارس أشار التقرير إلى أن تكون مواقع تعليمية تتسم بالإدماج والإنصاف والرفاهية الفردية والجماعية التي تدعمها، ويجب إعادة تصميم الهياكل المدرسية والمساحات والأوقات والجداول الزمنية ومجموعات الطلاب لتشجيع الأفراد وتمكينهم من العمل معًا. كما أكد على دور التقنيات الرقمية إلى تدعم المدارس وليس استبدالها.

أما البعد الخامس، فقد أشار التقرير إلى ضرورة توسيع الفرص التعليمية التي تحدث طوال الحياة وفي مختلف المجالات الثقافية والاجتماعية في جميع أوقات الحياة، ويجب أن يحصل الناس على فرص تعليمية جيدة وذات مغزى، وضرورة ربط مواقع التعلم الطبيعية والافتراضية والاستفادة بعناية من أفضل إمكانات كل منها. وأشار التقرير إلى أن المسؤوليات الرئيسية لتجديد التعليم تقع على عاتق الحكومات التي ينبغي تعزيز قدرتها على التمويل العام وتنظيم التعليم.

ولتحفيز العقد الاجتماعي الجيد للتعليم دعا التقرير إلى البحث والابتكار يساهم فيها الجميع من المعلمين إلى الطلاب، من الأكاديميين ومراكز البحوث إلى الحكومات ومنظمات المجتمع المدني. ووجه التقرير دعوة للتضامن العالمي والتعاون الدولي والتزامًا متجددًا بالتعاون العالمي لدعم التعليم كصالح مشترك، يقوم على تعاون أكثر عدلاً وإنصافًا بين الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية. وأكد أهمية أن يؤدي المجتمع الدولي دورًا رئيسيًا في مساعدة الدول والجهات الفاعلة غير الحكومية على التوافق حول الأهداف المشتركة والقواعد والمعايير اللازمة لإبرام عقد اجتماعي جديد للتعليم، وتقديم الدعم الدولي لتلبية الاحتياجات التعليمية لطالبي اللجوء واللاجئين وعديمي الجنسية والمهاجرين. كما أكد أهمية أن تنشط الجامعات ومؤسسات التعليم العالي الأخرى في كل جانب من جوانب بناء عقد اجتماعي جديد للتعليم، من خلال دعم البحث وتقدم العلوم نظرا لكونها شريكًا مساهمًا في المؤسسات والبرامج التعليمية الأخرى في مجتمعاتها وفي جميع أنحاء العالم، فإن الجامعات المبتكرة لها دور رئيسي تلعبه في مُستقبل التعليم.

التقرير أكد كذلك على ضرورة أن يكون كل فرد قادر على المشاركة في بناء مستقبل التعليم؛ الأطفال والشباب والآباء والمعلمين والباحثين والنشطاء وأرباب العمل والقادة الثقافيين. ويرى التقرير أننا الآن نواجه خيارًا جادًا: الاستمرار في مسار غير مستدام أو تغيير المسار جذريًا.

ويقترح هذا التقرير إجابات على الأسئلة الأساسية الثلاثة حول ماذا يجب أن نستمر في القيام به؟ ما الذي يجب أن نتخلى عنه؟ وما الذي يجب إعادة تخيله بشكل خلاق؟ لكن المقترحات هنا مجرد بداية. هذا التقرير هو دعوة للتفكير والتخيل أكثر من كونه مخططًا. يجب تناول هذه الأسئلة والإجابة عليها في المجتمعات، في البلدان، في المدارس، في البرامج والأنظمة التعليمية من جميع الأنواع في جميع أنحاء العالم. تعد صياغة عقد اجتماعي جديد للتعليم خطوة حاسمة نحو إعادة تصور مستقبلنا معًا

وأشارت منظمة اليونسكو إلى أن  اليوم الدولي للتعليم لهذا العام (الذي يوافق 24 يناير) هو بمثابة منصة لعرض أهم التحولات التي يجب رعايتها لتحقيق الحق الأساسي لكل فرد في التعليم وبناء مستقبل أكثر استدامة وشمولية وسلمية. سيولد نقاشًا حول كيفية تعزيز التعليم كمسعى عام ومصلحة عامة، وكيفية توجيه التحول الرقمي، ودعم المعلمين، وحماية الكوكب، وإطلاق العنان لإمكانات كل شخص للمساهمة في تحقيق العقد الاجتماعي للتعليم. وحددت اليونسكو أهداف اليوم الدولي للتعليم؛ لتفعيل عقد اجتماعي جديد في التعليم:

  • خلق نقاش حول المحفزات الأساسية للتحولات لبناء أنظمة تعليمية أكثر إنصافًا وشمولية من شأنها تسريع التقدم نحو الهدف 4 من أهداف التنمية المستدامة، مع الأخذ في الاعتبار نتائج تقرير مستقبل التعليم لليونسكو.
  • عرض التحولات في العمل مع إمكانية التوسع لتعزيز الشمول الرقمي، والكفايات والمهارات الخضراء، والمساواة بين الجنسين.
  • حشد الإرادة السياسية لمعالجة فجوة عدم المساواة في الوصول إلى التعليم وإتمامه، بما يتماشى مع الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة.
  • تسليط الضوء على أصوات الطلاب حول التغييرات والابتكارات التي يريدون رؤيتها لجعل تعليمهم أكثر ملاءمة للغرض.
  • تسليط الضوء على أصوات المعلمين حول مستقبل مهنتهم، من دمج التكنولوجيا في ممارساتهم إلى توجيه التدريس والتعلم حول مهارات وعقليات جديدة من أجل والكوكب.

وانطلاقا من رؤية “عُمان 2040” وتوجهها الاستراتيجي “نحو تعليم شامل وتعلم مستدام، وبحث علمي يقود الى مجتمع معرفي وقدرات وطنية منافسة”، وبمناسبة اليوم الدولي للتعليم نوجه الدعوة إلى وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي ومؤسسات التعليم العالي والأكاديميين والمعلمين والتربويين والطلبة والمعنيين بالتعليم كافة لدراسة التقرير وعمل حلقات نقاشية أو بناء منصات وطنية لمشاركة وطنية لبناء عقد اجتماعي للتعليم في السلطنة بما يتوافق مع توجهاتها الاستراتيجية.

Leave a Comment

Your email address will not be published.